لماذا يرفع المغرب مستوى علاقاته مع إسرائيل الآن؟

مقال رأي وتحليل سياسي ·






لماذا اختار المغرب هذا التوقيت لرفع مستوى علاقاته مع إسرائيل؟ سؤال يتجاوز فتح السفارات وتعيين السفراء، ليمسّ موقع فلسطين في حسابات السياسة، وطبيعة التحالفات التي تتشكل في شمال أفريقيا والساحل.

ماذا يعني رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي؟

بحسب ما نقلته رويترز، أعلنت الحكومة الإسرائيلية، في 16 سبتمبر 2026، اتفاق وزيري خارجية المغرب وإسرائيل على فتح السفارات وتعيين السفراء، امتدادًا لمسار التطبيع الذي بدأ سنة 2020. والحديث هنا عن اتفاق معلن، لا عن اكتمال تنفيذه بالفعل. المصدر: رويترز

وتعني هذه الخطوة، في قراءتي، أن الرباط تريد ترسيخ العلاقة على مستوى مؤسسي أوسع، بما يجعلها جزءًا ثابتًا من خياراتها الخارجية. ولذلك يصبح النقاش حول دوافع هذا التوجه وكلفته أكثر أهمية من الاكتفاء بوصف الإجراءات الدبلوماسية.

لماذا يثير التوقيت هذا الاعتراض؟

تكتسب الخطوة حساسيتها من السياق الفلسطيني. فمن منظور رافض للتطبيع، يبدو الارتقاء بالعلاقات مع إسرائيل، في ظل المأساة الفلسطينية، قرارًا يضع المصالح الدبلوماسية والأمنية فوق مقتضيات التضامن. وهنا تواجه السياسة المغربية سؤالًا مشروعًا: كيف يمكن إقناع الرأي العام بأن توسيع الشراكة مع إسرائيل يخدم الحقوق الفلسطينية، وما النتائج الملموسة التي تبرر هذا الخيار؟

الشراكة الأمريكية وحسابات الرباط

لفهم القرار، ينبغي النظر إلى طبيعة الشراكة التي يجري بناؤها. فقد جاء الاتفاق الجديد ضمن لقاء برعاية أمريكية في نيويورك، وتضمن توسيع التعاون في مجالات اقتصادية وتقنية وأمنية، إلى جانب استعادة الرحلات الجوية المباشرة. تفاصيل الاتفاق الثلاثي

وفي قراءتي، يوحي ذلك بأن الرباط تتعامل مع علاقتها بإسرائيل باعتبارها استثمارًا طويل الأمد في شبكة تحالفات ومصالح، وتراهن على عوائدها رغم كلفتها السياسية والأخلاقية. وتبقى مساءلة هذا الرهان ضرورية، خصوصًا عندما تُطرح المصالح الاقتصادية بوصفها مبررًا كافيًا لتجاوز الاعتراضات المرتبطة بفلسطين.

الجزائر والنيجر: حضور متجدد في الساحل

يستحق هذا التوقيت أيضًا أن يُقرأ ضمن التحركات الإقليمية الأخيرة، خصوصًا في الساحل. فقد أرسلت الجزائر، في 30 أغسطس 2026، أربع مقاتلات وطائرة للتزود بالوقود إلى نيامي، استجابة لطلب السلطات النيجرية، عقب اضطرابات عسكرية شهدتها العاصمة. ويتيح هذا التحرك قراءة مفادها أن الجزائر تريد تأكيد قدرتها على دعم شركائها وحماية مصالحها في محيطها الجنوبي. تفاصيل الانتشار الجوي الجزائري

وتحتل النيجر موقعًا مهمًا في هذه الحسابات، بحكم جوارها للجزائر وارتباطها بمشاريع الطاقة العابرة للصحراء. وقد ربطت قراءة نشرتها «لوموند» التحرك الجزائري بمصالح تشمل مشاريع الطاقة واستعادة الحضور في الساحل. لكن ذلك يظل مختلفًا عن القول إن الجزائر أصبحت تتحكم وحدها في المنطقة أو حسمت مستقبل جميع المشاريع المنافسة. قراءة لوموند

للاطلاع على خلفية هذه الأحداث، اقرأ تحليلنا: هل كان ما جرى في النيجر مجرد تمرد؟ الجزائر وحسابات الردع في الساحل.

قطع العلاقات مع الإمارات: خلاف معلن وحدود التأويل

في سياق آخر، أعلنت الجزائر، في 10 سبتمبر 2026، قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات، عازية القرار إلى تصرفات وصفتها بالاستفزازية والعدائية، من دون تحديد وقائع تفصيلية في الإعلان المنقول. ويعكس القرار عمق الخلاف بين البلدين، لكنه لا يثبت بمفرده الروايات التي تربط كل توتر إقليمي بمخطط واحد أو بممر تجاري بعينه. المصدر: رويترز

الممرات التجارية والطاقة: تنافس لم يُحسم

أما التنافس على ربط الساحل بالموانئ والأسواق، فهو حاضر في المبادرة المغربية لإتاحة منفذ أطلسي لدول المنطقة، التي سبق أن أيدتها مالي والنيجر وبوركينا فاسو. غير أن نجاح هذه المبادرات يتوقف على التمويل والبنية التحتية والاستقرار واتفاقات العبور. ومن ثم، فإن تعزيز علاقة النيجر بالجزائر لا يكفي لإعلان سقوط المبادرة المغربية، كما أن الإعلان عن المبادرة لا يعني ضمان نجاحها. المصدر: أسوشيتد برس

وفي قراءة هذا التنافس، ينبغي التمييز بين مبادرات النقل والتجارة ومشاريع نقل الطاقة؛ فلكل مشروع مساره وشركاؤه وشروط تمويله. ولا يصح اختزال هذه الملفات في مواجهة واحدة يُعلَن فيها انتصار طرف وسقوط الطرف الآخر بمجرد حدوث تقارب دبلوماسي أو تحرك عسكري.

هل يفسر التحرك الجزائري القرار المغربي؟

يمكن قراءة تعميق العلاقات المغربية الإسرائيلية بوصفه محاولة لتثبيت التحالفات وتعزيز الموقع التفاوضي في محيط متغير. وقد تكون التحركات الجزائرية جزءًا من السياق الذي تراقبه الرباط، لكن التزامن وحده لا يثبت أنها السبب المباشر للقرار. فالمسار بدأ قبل التطورات الأخيرة بسنوات، ويستند إلى مصالح تخص أطرافه أيضًا.

وإذا تأكدت زيارة الرئيس عبد المجيد تبون إلى إسبانيا خلال أكتوبر 2026، فقد تشكل فرصة إضافية لتوسيع التعاون الجزائري الأوروبي. وستُقاس أهميتها بما تنتجه من اتفاقات ومكاسب عملية، وبقدرتها على ترسيخ علاقات تخدم المصالح الوطنية.

فلسطين في قلب السؤال

يبقى الاعتراض الأعمق على الخطوة المغربية متعلقًا بمكانة فلسطين في هذه الحسابات. فمهما كانت المكاسب المنتظرة من التحالفات، تظل السياسة مطالبة بالإجابة عن سؤال واضح: ماذا قدم هذا التقارب لحقوق الفلسطينيين؟ ومن هنا تأتي حساسية التوقيت؛ إذ تبدو ترقية العلاقات، في نظر منتقديها، مكافأة دبلوماسية لإسرائيل، بينما يحتاج الفلسطينيون إلى مواقف تترجم التضامن إلى أثر سياسي ملموس.

هذا المقال يقدم قراءة نقدية في الوقائع المشار إلى مصادرها؛ أما تفسير دوافع القرارات والربط بين الأحداث، فهو تحليل قابل للنقاش.

إرسال تعليق

أحدث أقدم